الآلوسي
51
تفسير الآلوسي
على العين والفم والطبع عليهما ، فقد قال الله تعالى : * ( لطمسنا على أعينهم ) * ( يس : 66 ) و * ( اليوم نختم على أفواههم ) * ( يس : 65 ) وجوز نحو هذا بعض من ادعى أن ذلك في الدنيا فقال : إن المعنى آمنوا من قبل أن نطمس وجوهاً بأن نعمي الأبصار عن الاعتبار ، ونصم الأسماع عن الإصغاء إلى الحق بالطبع ، ونردها عن الهداية إلى الضلالة . وروي ذلك عن الضحاك وأخرجه أبو الجارود عن أبي جعفر رضي الله تعالى عنه ، والحق أن الآية ليست بنص في كون ذلك في الدنيا أو في الآخرة بل المتبادر منها بحسب المقام كونه في الدنيا لأنه أدخل في الزجر ، وعليه مبنى ما روي عن الحبرين لكن لما كان في وقوع ذلك خفاء واحتمال أنه وقع ولم يبلغنا - على ما في " التيسير " - مما لا يلتفت إليه ، ورجح احتمال كونه في الآخرة ، وأياً مّا كان فلعل السر في تخصيصهم بهذه العقوبة من بين العقوبات - كما قال شيخ الإسلام - مراعاة المشاكلة ( بينها ) وبين ما أوجبها من جنايتهم التي هي التحريف والتغيير والفاعل والراضي سواء ، والضمير المنصوب في - نلعنهم - لأصحاب الوجوه ، أو - للذين - على طريق الالتفات لأنه بعد تمام النداء يقتضي الظاهر الخطاب ، وأما قبله فالظاهر الغيبة ، ويجوز الخطاب لكنه غير فصيح كقوله : يا من يعز علينا أن نفارقهم * وجداننا ( كل شيء ) بعدكم عدم أو للوجوه إن أريد به الوجهاء * ( وَكَانَ أَمْرُ الله ) * بإيقاع شيء ما من الأشياء ، فالمراد بالأمر معناه المعروف ، ويحتمل أن يراد به واحد الأمور ولعله الأظهر أي كان وعيده أو ما حكم به وقضاه * ( مَفْعُولاً ) * نافذاً واقعاً في الحال أو كائناً في المستقبل لا محالة ، ويدخل في ذلك ما أوعدتم به دخولاً أولياً ، والجملة اعتراض تذييلي مقرر لما سبق ، ووضع الاسم الجليل موضع الضمير بطريق الالتفات لما مر غير مرة . . * ( إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ وَمَن يُشْرِكْ باللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً ) * . * ( إنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفرُ أَن يُشْرَكَ به ) * كلام مستأنف مقرر لما قبله من الوعيد ومؤكد وجوب امتثال الأمر بالإيمان حيث إنه لا مغفرة بدونه كما زعم اليهود ، وأشار إليه قوله تعالى : * ( فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا ) * ( الأعراف : 169 ) وفيه أيضاً إزالة خوفهم من سوء الكبائر السابقة إذا آمنوا . والشرك يكون بمعنى اعتقاد أن لله تعالى شأنه شريكاً إما في الألوهية أو في الربوبية ، وبمعنى الكفر مطلقاً - وهو المراد هنا - كما أشار إليه ابن عباس فيدخل فيه كفر اليهود دخولاً أولياً فإن الشرع قد نص على إشراك أهل الكتاب قاطبة وقضى بخلود أصناف الكفرة كيف كانوا ، ونزول الآية في حق اليهود على ما روي عن مقاتل لا يقتضي الاختصاص بكفرهم بل يكفي الاندراج فيما يقتضيه عموم اللفظ ، والمشهور أنها نزلت مطلقة ، فقد أخرج ابن المنذر عن أبي مجلز قال : " لما نزل قوله تعالى : * ( قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ) * ( الزمر : 53 ) الآية قام النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر فتلاها على الناس فقام إليه رجل فقال : والشرك بالله ؟ فسكت ، ثم قام إليه فقال : يا رسول الله والشرك بالله تعالى ؟ فسكت مرتين أو ثلاثاً فنزلت هذه الآية : * ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ) * " الخ والمعنى أن الله تعالى لا يغفر الكفر لمن اتصف به بلا توبة وإيمان لأنه سبحانه بت الحكم على خلود عذابه ، وحكمه لا يتغير ، ولأن الحكمة التشريعية مقتضية لسد باب الكفر ولذا لم يبعث نبي إلا لسده وجواز مغفرته بلا إيمان مما يؤدي إلى فتحه ، وقيل : لأن ذنبه لا ينمحي عنه أثره فلا يستعد للعفو بخلاف غيره ، ولا يخفى أن هذا مبني على أن فعل الله تعالى تابع لاستعداد المحل ، وإليه ذهب أكثر الصوفية وجميع الفلاسفة ، فإن * ( يشرك ) * في موضع